قادة الفكر
يمكن للذكاء الاصطناعي الإجابة عن السؤال. أما التحدي التالي فهو مساعدة الناس على المضي قدمًا.

أصبحنا بارعين للغاية في بناء أنظمة ذكاء اصطناعي تجيب عن الأسئلة. اسألها عن موعد تقديم طلب، أو المستندات المطلوبة، أو كيفية سير إجراء ما، وستقدم لك إجابة مفيدة في ثوانٍ. لكن حين يتعلق الأمر بتعليم شخص ما أو مستقبله المالي أو شعوره بالانتماء، لا تكون الإجابة سوى البداية. المهم هو ما إذا كان ذلك الشخص سيتمكن فعلًا من المضي قدمًا.
هنا يبرز الجانب المثير للاهتمام في الذكاء الاصطناعي الوكيلي. فبدلًا من التعامل مع كل تفاعل على أنه سؤال منفصل، يستطيع وكيل الذكاء الاصطناعي أن يدرك المرحلة التي وصل إليها الشخص ضمن مسار أوسع، وأن يحدد ما ينبغي فعله تاليًا، ويساعده على تحقيق ذلك. لكن إنجاز هذا بصورة موثوقة يتطلب أكثر من نموذج لغوي قادر؛ فهو يستلزم مسارات مصممة لأغراض محددة، وأنظمة مترابطة، وإشرافًا بشريًا مدمجًا في العملية منذ بدايتها.
لنتأمل التعليم العالي. يتقدم الطالب بطلب، ويستكمل إجراءات المساعدات المالية، ويسجل في المقررات، ويلتقي مستشارًا، ويبحث عن الدعم الأكاديمي، ويسعى للحصول على تدريب عملي، ويستعد للتخرج، ويبحث عن وظيفة، ثم يصبح في نهاية المطاف من خريجي الجامعة. تنظم المؤسسات هذه المراحل ضمن أقسام وأنظمة تقنية منفصلة، لكن الطلاب يرونها جامعة واحدة. ولا ينبغي أن يضطروا إلى فهم هيكلها التنظيمي كي يحصلوا على المساعدة التي يحتاجون إليها.
لا يريد الناس واجهة أخرى؛ بل يريدون إنجاز ما يحتاجون إليه.
في استطلاع حديث شمل 1,058 طالبًا جامعيًا في الولايات المتحدة ملتحقين بالدراسة حاليًا، قال 76% إنهم يتوقعون إنجاز معظم معاملاتهم المتعلقة بالخدمات الطلابية من دون الاتصال بمكتب أو زيارته. ومع ذلك، قال واحد من كل أربعة إن مؤسسته لا تلبي هذا التوقع. وعندما سُئلوا عما يهمهم أكثر في تجربة رقمية حديثة، أشار 64% إلى سرعة الاستجابة وإنجاز الطلب، و54% إلى إتاحة الخدمات على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، و50% إلى إمكانية إنجاز المهام في مكان واحد. يريد الطلاب إجابات أسرع، وتحويلًا أقل بين الجهات، وإمكانية إنجاز المهام من دون التنقل بين أنظمة متعددة.
طالب محتمل يبدأ طلب الالتحاق بالجامعة لكنه لا يكمله. قد يجيب روبوت محادثة تقليدي عن أسئلة متعلقة بمتطلبات التقديم، لكن يظل على الطالب معرفة ما ينقص طلبه وكيفية المتابعة. أما النظام الوكيلي فيستطيع أن يحدد المرحلة التي توقف عندها الطلب، ويعيّن الخطوة التالية، ويساعد الطالب على استئناف ما بدأه من حيث توقف. وإذا قال الطالب إنه سبق أن حمّل كشف درجاته، فيمكن للنظام التحقق من سجل الطلب، والتأكد من وجود الكشف، ثم الانتقال إلى ما بعد هذا المتطلب بدلًا من مطالبته باستيفائه مرة أخرى.
وهنا أيضًا تكمن بعض أكبر التحديات التقنية التي لا تزال قائمة. وتحدد Microsoft Research الموثوقية والاحتفاظ بالسياق وتنفيذ سير العمل في الواقع العملي ضمن التحديات التي تواجه الوكلاء المخصصين لتعزيز الإنتاجية. فلا يستطيع الوكيل إرشاد شخص عبر إجراء ما بصورة موثوقة إذا فقد سياق العمل بين الخطوات أو عجز عن العمل عبر الأنظمة المعنية.
من الإجابات التفاعلية إلى المساعدة الاستباقية
لا تقتصر الفرصة على الإجابة عن الأسئلة؛ بل تشمل إدراك الوقت الذي يحتاج فيه شخص ما إلى الدعم ومساعدة المؤسسات على تحديد الخطوة التالية المناسبة. فقد يلاحظ فريق تنمية الموارد، مثلًا، مؤشرات تدل على استعداد أحد الخريجين لإعادة التواصل أو التطوع أو تقديم أول تبرع له. لكن ملاحظة المؤشر ليست سوى البداية. وتتحقق القيمة الحقيقية من فهم نوع التواصل المناسب لذلك الشخص في تلك اللحظة، وما ينبغي فعله بعد ذلك.
يمكن للمسارات المصممة لأغراض محددة أن تدمج الممارسات المعتمدة لفئات وغايات مختلفة، فتمنح الفرق نقطة انطلاق أقوى من الأدوات العامة أو مسارات العمل التي تُبنى من الصفر. ولا تقتصر الفائدة على توفير وقت الموظفين؛ فالمؤسسات لديها بالفعل كميات هائلة من البيانات، لكنها تحتاج إلى المساعدة في تفسير تلك المؤشرات وتحويلها إلى تواصل مدروس وفي الوقت المناسب.
الحاجة واضحة. ففي استطلاع الطلاب نفسه، قال نصف الطلاب إنهم امتنعوا عن التواصل مع مؤسستهم لأن الإجراءات بدت شديدة الصعوبة. وقال 40% آخرون إنهم طُلب منهم تكرار معلومات سبق أن قدموها، وإن 34% أُحيلوا إلى جهة أخرى من دون حل مشكلاتهم، وإن 31% لم يتمكنوا من العثور على ما يحتاجون إليه فتخلوا عن المحاولة.
تساعد تجارب الذكاء الاصطناعي الأكثر فائدة المؤسسات على رصد مواطن الاحتكاك هذه قبل أن تدفع أحدًا إلى الانقطاع عن التواصل.
السياق هو ما يحوّل الإجابة إلى إجراء مفيد
لقد اختبرنا جميعًا الإحباط الناتج عن تكرار تقديم المعلومات نفسها إلى مؤسسة مرارًا. تخيل الآن أن عليك فعل ذلك وأنت تحاول التسجيل في المقررات، أو حل مشكلة تتعلق بالمساعدات المالية، أو استعادة التواصل مع جامعتك الأم. فكل تفاعل منفصل يجعل المؤسسة تبدو أقل قليلًا كجهة تعرفك.
إن ربط المعلومات حول الفرد بدلًا من تنظيمها بحسب الأقسام المنفصلة يغيّر هذه التجربة. ويستفيد الطلاب والخريجون والمانحون من تواصل أكثر استمرارية وملاءمة لاحتياجاتهم، فيما يحصل الموظفون على السياق الذي يمكّنهم من الاستجابة بفاعلية أكبر. وعندما تجعل المؤسسات التواصل أسهل وأكثر خصوصية، فإنها تهيئ الظروف لبناء علاقات أقوى وولاء يدوم.
يشير الطلاب بالفعل إلى رغبتهم في أن تعمل التجارب الرقمية بهذه الطريقة. ووجد البحث نفسه الذي أُجري على الطلاب أن 56% منهم يتوقعون أن تبدو الأنظمة مترابطة، من دون إحالات إلى صفحات أخرى أو اضطرارهم إلى إدخال المعلومات نفسها مرارًا. كما يتوقع نصفهم أن تنبّههم الأدوات الرقمية استباقيًا إلى المواعيد النهائية أو المتطلبات أو المشكلات قبل أن تتحول إلى عقبات.
يتطلب توفير هذه التجربة أكثر من مجرد جعل كل أداة على حدة أكثر ذكاءً؛ إذ يعني ربط المعلومات وسير العمل بما يتيح للمؤسسات فهم المرحلة التي بلغها كل شخص في مسيرته والاستجابة له على هذا الأساس.
أفضل أنواع الذكاء الاصطناعي تعرف متى تتصرف، ومتى تحمي، ومتى تتراجع
ينبغي ألا يكون الهدف من الذكاء الاصطناعي الوكيلي بلوغ أقصى درجات الاستقلالية، بل تحقيق التوازن المناسب بين المساعدة والتنفيذ والتقدير البشري، مع تضمين الموافقة البشرية في سير العمل منذ البداية.
مع تزايد قدرة الذكاء الاصطناعي على اتخاذ الإجراءات، يصبح تحديد ما ينبغي له فعله باستقلالية بأهمية توسيع نطاق ما يستطيع فعله. وقد تكون المهام الاعتيادية، مثل تحديد النماذج غير المكتملة أو إبراز المعلومات ذات الصلة، مناسبة للأتمتة. لكن عندما يُعِدّ نظام ذكاء اصطناعي رسالة تواصل أو يوصي بإجراء قد يؤثر في تجربة أحد الطلاب، ينبغي إتاحة الفرصة لشخص ما للموافقة عليه قبل وصول أي شيء إلى الطالب.
ينبغي ألا تقتصر الرقابة البشرية على تصعيد الحالات غير المعتادة أو مراجعة القرارات بعد اتخاذها. ففي التفاعلات ذات العواقب الكبيرة، يجب الحصول على الموافقة قبل اتخاذ الإجراء، لا بعده. ويمكن للذكاء الاصطناعي تحديد المؤشرات والتوصية بالخطوات التالية وإعداد الرسائل، مع احتفاظ الموظفين بالسيطرة على ما يحدث بعد ذلك.
ويتيح هذا النهج أيضًا مجالًا لإعمال الحكم والتعاطف اللذين لا تستطيع التكنولوجيا أن تحل محلهما. فقد يحتاج الطالب الذي يواجه وضعًا ماليًا غير مألوف أو يعاني صعوبات أكاديمية إلى أكثر من توصية آلية. وينبغي للتكنولوجيا أن تساعد الموظفين على إدراك هذه الحالات والاستجابة لها مستعينين بالسياق الذي يحتاجون إليه، بدلًا من استبعادهم من العملية.
ويعني التنفيذ المسؤول أيضًا حماية المعلومات الحساسة التي تعتمد عليها هذه التجارب. فربط الأنظمة وتمكين الذكاء الاصطناعي من اتخاذ الإجراءات يثيران أسئلة مهمة بشأن الوصول إلى البيانات والصلاحيات والأمن والمساءلة. وينبغي ألا تتاح لوكيل يساعد في تقديم طلب أو في إجراءات المساعدة المالية إلا المعلومات والإجراءات المناسبة لذلك التفاعل، مع وضع حدود واضحة لما يمكنه فعله.
يعزز عمل أبحاث Microsoft Research بشأن الوكلاء الذين يبقى الإنسان مشاركًا في عملهم أهمية تصميم الأنظمة المتزايدة الاستقلالية بحيث تتضمن الرقابة البشرية والتحكم البشري، بما في ذلك آليات تتيح للأشخاص المشاركة في عمل الوكيل وتوجيه مساره. ويتيح الذكاء الاصطناعي المسؤول تجارب أفضل من خلال بناء الثقة اللازمة لتوفيرها.
الجيل التالي من الذكاء الاصطناعي يتمحور حول النتائج
وهناك تحول آخر ينبغي للمؤسسات إجراؤه، وهو تغيير طريقة قياسها لمدى نجاح الذكاء الاصطناعي فعليًا.
غالبًا ما يُقيَّم أداء الذكاء الاصطناعي اليوم من خلال مقاييس النشاط، مثل عدد المحادثات التي عالجها، والأسئلة التي أجاب عنها، وأوقات الاستجابة، أو الاستفسارات التي عولجت من دون إشراك الموظفين. وقد توضح هذه المقاييس ما إذا كان النظام مستخدمًا أو يخفف أعباء العمل، لكنها لا تبين بالضرورة ما إذا كان قد ساعد شخصًا على إنجاز ما جاء من أجله.
بالنسبة إلى الطالب الذي توقف في منتصف تقديم طلب، يعني النجاح إكمال ذلك الطلب، لا الاكتفاء بتلقي إجابات من مساعد ذكاء اصطناعي. أما الخريج الراغب في استعادة التواصل، فيعني النجاح اتخاذ الخطوة التالية في تلك العلاقة.
يتجاوز أثر هذه التجارب الرقمية حدود توفير الراحة بكثير. فقد وجد البحث الذي أُجري على الطلاب أن 38% منهم أرجأوا مهمة مهمة تتعلق بالتسجيل أو المساعدة المالية أو الدراسة بسبب صعوبة استخدام الأدوات الرقمية. وقال واحد من كل أربعة إن هذه الصعوبات جعلتهم يتساءلون عما إذا كان الاستمرار في الدراسة يستحق كل هذا العناء. وعندما تتسبب التكنولوجيا في هذا القدر من العوائق، فإن قياس التفاعل مع التكنولوجيا نفسها يغفل جوهر المسألة. وينبغي للمؤسسات أن تسأل ما إذا كان الناس ينجزون المهام التي قصدوا إنجازها، وأين يواجهون صعوبات، وما إذا كانت التجربة تتحسن بمرور الوقت.
سيتحدد الجيل التالي من الذكاء الاصطناعي بما يستطيع الناس إنجازه بفضله، وهذا تحول مثير للحماس. وسواء أكان الشخص يخوض تجربة الدراسة الجامعية، أم يدير شؤونه الصحية، أم يتفاعل مع مؤسسة يهتم بها، فإن الفرصة تكمن في جعل التجارب المعقدة تبدو داعمة بحق. ويتطلب تحقيق ذلك تصميم مسارات تتمحور حول أشخاص حقيقيين، وربط المعلومات، وإرساء رقابة بشرية مجدية، والالتزام بقياس النتائج بدلًا من النشاط.
ليس الهدف أتمتة المزيد لمجرد الأتمتة، بل مساعدة الناس على المضي قدمًا بعوائق أقل وثقة أكبر وإحساس أقوى بأن المؤسسة التي يتعاملون معها تفهمهم حقًا.












