قادة الفكر
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل تأمين الشاحنات أدق، أم أسرع فحسب؟

يتيح الذكاء الاصطناعي لشركات التأمين أساليب جديدة لأتمتة مراجعة المستندات، واستخراج المعلومات من طلبات التأمين، وتحليل السجلات التاريخية. ويمكن لهذه الإمكانات أن تساعد شركات النقل بالشاحنات على الحد من التأخيرات الإدارية التي تعقّد إجراءات الحصول على التغطية التأمينية.
وتكتسب هذه الكفاءة أهمية كبيرة؛ إذ قد تحول التأخيرات التأمينية دون إدخال شركات النقل شاحناتها إلى الخدمة، أو قبولها عقودًا جديدة، أو مواصلتها العمل وفق الخطط الموضوعة.
لكن القرارات الأسرع ليست بالضرورة أفضل.
لم يكن التحدي في تأمين الشاحنات يومًا نقص البيانات بالكامل. إذ يمكن لشركات التأمين النظر في سجلات الفحوص، وسجلات السلامة، وتقارير الحوادث، وتراخيص التشغيل، ووثائق الامتثال. أما التحدي، فهو تحديد ما تكشفه هذه السجلات فعلًا عن الشركة وما لا تتطرق إليه.
إذا كان للذكاء الاصطناعي أن يحسّن تأمين الشاحنات، فعليه أن يفعل أكثر من تسريع تقييم طلبات التأمين؛ إذ ينبغي أن يساعد شركات التأمين على تكوين فهم أدق للمخاطر.
سجل السلامة لا يروي القصة كاملة
قبل دخولي مجال التأمين، عملت مباشرة مع شركات النقل بالشاحنات في شؤون السلامة والامتثال، وساعدت شركات النقل على الحصول على تراخيص التشغيل، وتنظيم ملفات مؤهلات السائقين، وحفظ السجلات، والتعامل مع المتطلبات التنظيمية. وقد رسخت تلك التجربة درسًا مهمًا: سجلات الامتثال مفيدة، لكنها لا تعكس بالضرورة طريقة تشغيل الأسطول يومًا بيوم.
لنتأمل شركتين للنقل بالشاحنات تتشابهان في حجم الأسطول، وسجل التشغيل، وسجلات الفحوص. قد تلتزم إحداهما بجدول منتظم للصيانة الوقائية، وتستثمر في تدريب السائقين، وتعالج مخاوف السلامة المحتملة قبل أن تتحول إلى مخالفات. أما الأخرى، فقد تتبع نهجًا أكثر تفاعلية، فلا تعالج المشكلات إلا عند ظهورها. وعلى الورق، قد تبدو الشركتان متشابهتين رغم اختلاف نهجيهما في إدارة المخاطر.
وقد يحدث العكس أيضًا. فقد تُسجل على شركة نقل مخالفة أو حادثة، من دون أن يوضح ذلك الحدث بالكامل ممارساتها الحالية في مجال السلامة أو الظروف المحيطة بالواقعة.
يستخدم نظام قياس السلامة التابع للإدارة الفيدرالية لسلامة ناقلات السيارات (FMCSA) بيانات الفحوص على الطرق، والحوادث، والتحقيقات للمساعدة في تحديد شركات النقل التي قد تستدعي تدخلات تتعلق بالسلامة. وعلى الرغم من أهمية هذه السجلات في الرقابة التنظيمية، فإنها لم تُعد لتقديم تقييم شامل للحالة العامة للسلامة لدى شركة نقل أو لمدى قابليتها للتأمين.
كما وثقت الإدارة الفيدرالية لسلامة ناقلات السيارات (FMCSA) أوجه قصور في بيانات نظام قياس السلامة، منها تساؤلات بشأن كفاية البيانات ومدى موثوقية المعلومات عند استخدامها لأغراض مختلفة.
يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل هذه السجلات بسرعة، لكن السرعة وحدها لا تعالج أوجه قصورها.
مخاطر أتمتة المعلومات غير المكتملة
توجد فرص واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي لتقليل الأعمال الإدارية في التأمين التجاري. ويمكن للأنظمة المؤتمتة المساعدة في تحديد الخانات الناقصة في الطلبات، ومقارنة المعلومات الواردة في المستندات المختلفة، وتنظيم سجلات السلامة، ورصد التباينات لإخضاعها للمراجعة.
وقد تكون هذه التحسينات ذات قيمة خاصة في قطاع النقل بالشاحنات، حيث يتطلب جمع الوثائق في كثير من الأحيان التنسيق بين أطراف وأنظمة متعددة.
تظهر المخاطر عندما تُعامل التقييمات المؤتمتة على أنها استنتاجات نهائية. فمثلًا، قد يضع نظام للذكاء الاصطناعي شركة نقل موضع علامة بسبب مؤشر سلامة غير مواتٍ. وقد يحدد النظام السجل تحديدًا صحيحًا، لكنه قد لا يأخذ في الحسبان التحسينات التشغيلية اللاحقة أو المعلومات الإضافية التي تغير كيفية تفسير الحادثة.
يوضح برنامج تحديد مدى إمكانية تفادي الحوادث التابع للإدارة الفيدرالية لسلامة ناقلات السيارات (FMCSA) أهمية السياق. ويتيح البرنامج لشركات النقل طلب مراجعة بعض الحوادث المؤهلة. وعندما تقرر الإدارة أن الحادثة لم يكن بالإمكان تفاديها، تستبعدها من احتساب فئة مؤشر الحوادث في نظام قياس السلامة لديها، مع إبقائها مدرجة في السجل.
ويقر البرنامج بأن الظروف المحيطة بالحادثة مهمة، لا مجرد وجود سجل لها.
وتزداد أهمية هذا التمييز عند تقييم الأساطيل الأصغر حجمًا. فقد يكون لدى شركات النقل الكبيرة موظفون متخصصون في السلامة وأنظمة متكاملة لإعداد التقارير، بينما قد تحتفظ الشركات الأصغر بسجلاتها في جداول بيانات ورسائل بريد إلكتروني، أو لدى مزودي خدمات خارجيين.
فقد يشير غياب مستند صيانة، مثلًا، إلى أن الصيانة لم تُجرَ. لكنه قد يعني أيضًا أن السجل موجود في مكان لا يستطيع النظام الوصول إليه. ولا ينبغي أن يؤدي هذان الاحتمالان تلقائيًا إلى التقييم نفسه.
يقدم إطار إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي الصادر عن المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا إرشادات طوعية لتقييم موثوقية أنظمة الذكاء الاصطناعي وشفافيتها وجدارتها بالثقة.
وتوفر هذه المبادئ لشركات التأمين على الشاحنات مرجعًا مفيدًا لتحديد ما إذا كانت المعلومات التي يستند إليها التقييم المؤتمت حديثة، ومكتملة بما يكفي، وملائمة للغرض المقصود منها.
ينبغي للذكاء الاصطناعي أن يدرك متى تكون هناك حاجة إلى مزيد من المعلومات
من أكثر القدرات فائدة التي يمكن أن يتمتع بها نظام ذكاء اصطناعي أن يحدد متى يتطلب اتخاذ قرار سياقاً إضافياً.
بدلاً من التعامل مع كل طلب على أنه مجرد موافقة أو رفض، ينبغي للنظام الفعّال أن يميز بين الحالات التي تكون فيها المعلومات كافية وتلك التي تتطلب استيضاحاً.
لنفترض أن الملف التشغيلي لشركة نقل قد تغير مؤخراً. قد يرصد نظام آلي هذا التغيير، لكن طرح أسئلة إضافية قد يكشف ما إذا كانت الشركة قد توسعت لتشمل فئات مختلفة من البضائع، أو أضافت معدات، أو استحدثت إجراءات جديدة للسلامة.
قد يؤثر كل عامل من هذه العوامل في كيفية تقييم المخاطر التي تواجهها الشركة.
وهنا أيضاً تكتسب قابلية التفسير أهمية. فإذا أوصى نظام ذكاء اصطناعي بنتيجة معينة، ينبغي للمسؤولين عن القرار أن يفهموا المعلومات التي أثرت فيها، وأن يعرفوا ما إذا كان الاستنتاج معقولاً.
تعدّ إرشادات NIST بشأن الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة قابلية التفسير والشفافية والموثوقية والمساءلة من السمات المهمة للأنظمة الجديرة بالثقة. كما تقرّ بدور الحكم البشري في تقييم أداء الذكاء الاصطناعي.
في تأمين النقل بالشاحنات، لا ينبغي أن يكون الهدف إلغاء الأسئلة من عملية الاكتتاب التأميني، بل تحديد الأسئلة المناسبة في مرحلة مبكرة من العملية.
تظل الخبرة البشرية مهمة
يُصوَّر اعتماد الذكاء الاصطناعي أحياناً على أنه خيار بين الأتمتة واتخاذ البشر للقرارات. أما عملياً، فالنهج الأكثر فائدة هو تحديد المهام التي تستفيد من التكنولوجيا وتلك التي تتطلب حكماً مهنياً.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تنظيم المعلومات، ورصد الأنماط، والحد من الأعمال الإدارية المتكررة. وتزداد قيمة الخبرة البشرية خصوصاً عندما تكون السجلات ملتبسة أو لا تندرج ظروف شركة النقل بسهولة ضمن الفئات الموحدة.
قد يدرك شخص ملمّ بعمليات النقل بالشاحنات سبب أهمية مسألة معينة تتعلق بالسلامة، وكيف تؤثر بيئات التشغيل المختلفة في مستوى التعرض للمخاطر، أو لماذا تستدعي التغييرات التشغيلية الأخيرة تدقيقاً أكبر.
لا ينبغي اعتبار هذه الخبرة عائقاً أمام الأتمتة؛ بل يمكنها أن تجعل التقييمات الآلية أكثر فائدة.
وثمة أيضاً جانب مهم يتعلق بالمساءلة.
في ديسمبر 2023، اعتمدت الرابطة الوطنية لمفوضي التأمين نشرة نموذجية بشأن استخدام شركات التأمين للذكاء الاصطناعي، تحدد التوقعات التنظيمية المتعلقة بالحوكمة وإدارة المخاطر والامتثال لقوانين التأمين السارية.
يتوقف الأثر التنظيمي للنشرة على اعتمادها وتنفيذها من جانب كل ولاية على حدة، لكنها تعكس تزايد الاهتمام بكيفية إشراف شركات التأمين على القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
والحكم البشري ليس معصوماً من الخطأ أيضاً. فقد يتخذ الأشخاص قرارات غير متسقة أو يغفلون معلومات ذات صلة. وتكمن الفرصة في الجمع بين اتساق الذكاء الاصطناعي وقدرته على معالجة المعلومات، والمعرفة التشغيلية اللازمة لتفسير الحالات المعقدة.
قياس الدقة، لا الكفاءة وحدها
إذا أرادت شركات التأمين معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يحسّن الاكتتاب التأميني، فعليها تقييم ما هو أبعد من سرعة إنجاز المعاملات.
إن معالجة طلب في دقائق بدلاً من أيام تُعد إنجازاً تشغيلياً، لكنها لا تثبت بالضرورة أن التقييم الناتج أكثر دقة.
ومن شأن تقييم أكثر جدوى أن يدرس ما إذا كانت التوصيات الآلية تظل موثوقة لدى مختلف أنواع شركات النقل، ومدى تكرار الحاجة إلى تصحيح التقييمات، وما إذا كان النظام يرصد على النحو المناسب المعلومات الناقصة أو المتضاربة.
وتستحق الأساطيل الأصغر حجماً اهتماماً خاصاً. فإذا كان أداء نموذج ما جيداً مع شركات النقل التي تملك سجلات رقمية مفصلة، لكنه يتعثر مع الشركات التي تكون وثائقها أقل توحيداً، فقد تتفاوت فعاليته.
ينبغي أن يعكس الاختبار تنوع الشركات الخاضعة للتقييم.
كما ينبغي أن يستمر هذا التقييم بعد نشر النظام. فقد تؤثر التغييرات في اللوائح والممارسات التشغيلية والمعلومات المتاحة في استمرار موثوقية النظام بمرور الوقت.
وينبغي لشركات التأمين أيضاً أن تكون مستعدة لإعادة النظر في كيفية ترجيح أنظمتها لأنواع المعلومات المختلفة. فعلى سبيل المثال، قد يغفل نموذج يولي باستمرار أهمية مفرطة لمؤشر واحد للسلامة عوامل أخرى ذات صلة بعمليات شركة النقل.
ينبغي أن يكون الهدف هو التحسين المستمر، لا مجرد تسريع المعالجة.
الفهم الأفضل للمخاطر هو الفرصة الحقيقية
يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجعل تأمين النقل بالشاحنات أكثر كفاءة، ويحد من التأخيرات الإدارية، ويساعد شركات التأمين على رصد معلومات قد تُغفل لولا ذلك.
لكن قيمته الأكبر قد تكمن في مساعدة القطاع على اتخاذ قرارات أكثر استنارة.
فالأسطول لا يقتصر على سجل الفحوصات، وسجل السلامة لا يقتصر على مجموعة من المخالفات. ويتطلب فهم المخاطر النظر في كيفية إدارة الشركة لأعمالها، وكيفية استجابتها للمشكلات، وما إذا كانت المعلومات المتاحة تعكس ظروفها الراهنة.
لن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر فائدة بالضرورة هي تلك التي تقدم أسرع الإجابات، بل تلك التي تساعد شركات التأمين على معرفة متى تتيح المعلومات المتاحة اتخاذ قرار، ومتى تستدعي الحاجة مزيدًا من التقييم.
في نهاية المطاف، ليس السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على جعل تأمين النقل بالشاحنات أسرع، بل ما إذا كان قادرًا على جعل قرارات القطاع أكثر دقة.
هذا هو المعيار الذي ينبغي قياس نجاحه على أساسه.












