قادة الفكر
ماذا يحدث عندما لا تعود الشركات قادرة على تحمّل تكلفة الذكاء الاصطناعي؟

في سنواتها الأولى، جعلت Uber التنقل من أحد أطراف المدينة إلى الآخر أقل تكلفة من ركوب سيارة أجرة. وتحمّل المستثمرون الفارق إلى أن احتاجت الشركة إلى تحقيق الأرباح. وأظهرت بيانات Rakuten Intelligence ارتفاع أسعار خدمات طلب السيارات في الولايات المتحدة بنسبة 92% بين عامي 2018 و2021، وبحلول عام 2023، فوجئ حتى الرئيس التنفيذي لـ Uber عندما علم تكلفة رحلة تمتد لثلاثة أميال في نيويورك آنذاك.
يقترب الذكاء الاصطناعي من لحظة مماثلة. وأكدت Anthropic في يونيو أنها قدّمت سرا طلبا للإدراج العام في الولايات المتحدة، وتشير التقارير إلى أن OpenAI تستعد للسير على النهج نفسه. وتُحاسَب الشركات العامة أمام مساهميها كل ثلاثة أشهر، وغالبا ما تدفعها هذه الرقابة إلى تغيير الأسعار.
وهذا يطرح سؤالا لم تفكر فيه شركات كثيرة بعد: ماذا يحدث إذا أصبحت تكلفة الذكاء الاصطناعي الذي تعتمد عليه منتجاتها أعلى، أو فُرضت قيود أشد على استخدامه، أو حدث الأمران معا؟ لا تتوقف الإجابة كثيرا على ما تقرره مختبرات الذكاء الاصطناعي، بقدر ما تعتمد على الطريقة التي بنت بها كل شركة أعمالها حولها، ولا يزال هناك وقت للاستعداد.
انتقلت تكلفة الذكاء الاصطناعي من ميزانية تقنية المعلومات إلى نموذج الأعمال
كانت فواتير الذكاء الاصطناعي الأولى صغيرة بما يكفي لإدراجها ضمن نفقات التجارب. أما اليوم، فيدخل الذكاء الاصطناعي في المنتجات وسير العمل، فتؤثر تكلفته مباشرة في هوامش الربح. وتعكس الأسعار الحالية فترة من الاستثمار المكثف.
في اختبار أجرته شركة الأبحاث SemiAnalysis، أتاحت خطة Claude Max التي تبلغ تكلفتها 200 دولار شهريا استخداما شهريا تبلغ قيمته نحو 8,000 دولار وفق أسعار واجهة برمجة التطبيقات القياسية. وهذا سخي للمستخدمين، كما يبيّن مدى ابتعاد بعض الأسعار عن التكلفة الفعلية لتقديم الخدمة.
بدأت بعض التعديلات بالفعل. ففي منتصف عام 2025، حوّلت أداة البرمجة بالذكاء الاصطناعي Cursor خطتها البالغة 20 دولارا شهريا إلى نظام تُحتسب فيه تكلفة الاستخدام وفق أسعار واجهة برمجة التطبيقات، كما فرضت Anthropic حدودا أسبوعية للاستخدام على أكثر مستخدمي Claude Code استهلاكا. ورأى المطوّر Simon Willison أن حقبة استخدام الذكاء الاصطناعي المدعوم من المستثمرين قد تكون آخذة في الانتهاء.
ويقدّم المحللون نصائح مماثلة. إذ تحث إرشادات Gartner الصادرة في أغسطس 2026 القادة على الاستعداد لزيادات مرجحة في أسعار الذكاء الاصطناعي. كما حذّر محللوها من أن المؤسسات التي لا تفهم كيفية تصاعد تكاليف الذكاء الاصطناعي مع زيادة الاستخدام قد تخطئ في تقديرها بنسبة تتراوح بين 500% و1,000%.
يساعد انخفاض تكلفة الوحدة، لكن إلى حد معين فحسب. وتُظهر Epoch AI أن سعر مستوى معين من أداء الذكاء الاصطناعي ينخفض بشدة كل عام، إلا أن باحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجدوا أن نماذج الاستدلال الأحدث تستخدم قدرة حاسوبية أكبر بكثير للوصول إلى إجاباتها. وتزداد الفاتورة مع زيادة الاستخدام، فيما يواصل الاستخدام نموه.
ما الذي قد يعنيه طرح مختبرات الذكاء الاصطناعي للاكتتاب العام للشركات الناشئة التي تبني أعمالها عليها؟
يفرض الإدراج في الأسواق العامة مزيدا من الانضباط. إذ سيتعين على مختبرات الذكاء الاصطناعي العامة أن تُظهر للمستثمرين مسارا نحو هوامش ربح مستدامة، ويُعد التسعير من أكثر الأدوات المباشرة المتاحة لتحقيق ذلك. وقد يعني هذا رفع الأسعار المعلنة، أو تشديد حدود الاستخدام، أو نقل بعض الميزات إلى الفئات المميزة، أو إيقاف النماذج الأقدم في وقت أقرب.
وتتقاسم الشركات الناشئة السوق أيضا مع مورّديها. فمختبرات الذكاء الاصطناعي تطرح تطبيقاتها الخاصة على نحو متزايد، كما فعلت Anthropic مع Claude Code، لذا من المهم توضيح القيمة التي تضيفها الشركة إلى ما يتجاوز النموذج نفسه.
وثمة جانب إيجابي. فالشركات العامة تفصح عن مزيد من المعلومات، ما يمنح العملاء رؤية أوضح لكيفية تسعير الذكاء الاصطناعي. ومن المفترض أن تساعد المنافسة بين المزوّدين، إلى جانب التحسن السريع في النماذج المفتوحة، على إبقاء الأسعار تحت السيطرة لمن هم مستعدون للانتقال إلى بدائل أخرى.
كيف يمكن للشركات تقليل اعتمادها
تتلخص المخاطر التجارية في سؤالين: هل سيقدّر العملاء الخدمة بما يكفي لدفع المزيد إذا ارتفعت التكاليف؟ وهل يتوفر هامش ربح كافٍ لاستيعاب زيادة الأسعار؟ ولأي شركة لا تعرف الإجابتين، ثمة خمس ممارسات مفيدة، ولا يتطلب أي منها البدء من الصفر.
اعرف تكلفة كل مهمة. تعرف فرق كثيرة فاتورة الذكاء الاصطناعي الشهرية، لكنها لا تعرف تكلفة إجراء واحد ينفذه عميل. ويكشف قياس التكلفة لكل مهمة عن الميزات أو العملاء أو حالات الاستخدام التي ستصبح غير مربحة إذا ارتفعت الأسعار بنسبة 30% أو 50% أو حتى 100%.
استخدم الذكاء الاصطناعي حيث يضيف أكبر قيمة. تتفوق النماذج الكبيرة في التعامل مع المسائل الملتبسة، مثل التصدي لمشكلة للمرة الأولى. أما الأعمال المتكررة، فغالبا ما تناسبها البرمجيات التقليدية. ففي اختبار البرمجيات مثلا، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدد مرة واحدة كيفية اختبار مسار المستخدم، ثم يُنفَّذ هذا الاختبار آلاف المرات كشيفرة عادية من دون استدعاء نموذج.
اختر النموذج المناسب للمهمة. ووجدت Epoch AI أن أفضل النماذج المفتوحة القابلة للتشغيل على بطاقة رسومات استهلاكية واحدة لا تتأخر عن النماذج الرائدة إلا بنحو عام واحد أو أقل. وفي المهام الاعتيادية، يمكن لنموذج أصغر أو مستضاف ذاتيا أن يقدّم نتائج مقبولة بجزء ضئيل من التكلفة.
أبقِ خيار التبديل متاحا. يصعب الانتقال من المنتجات المبنية حول ميزات خاصة بمزوّد واحد. وتحوّل طبقة بسيطة بين المنتج والنموذج، إلى جانب الاختبار المنتظم للبدائل، أي زيادة مستقبلية في الأسعار إلى فرصة للتفاوض.
حدّد السعر بناء على النتيجة. إن فوترة العملاء بحسب الرموز تمرر إليهم مباشرة كل تغيير في أسعار الذكاء الاصطناعي. أما فرض رسم ثابت لكل نتيجة، مثل إتمام مهمة أو حل طلب، فيحافظ على استقرار الأسعار للعملاء ويمنح الشركة مجالا لاستيعاب التغييرات في تكاليفها. وينطبق المنطق نفسه على الشراء: فالأدوات التي تُسعَّر بحسب النتيجة تجعل توقع النفقات المستقبلية أسهل.
القدرة على تحمّل التكلفة قرار تصميمي
لم تُنهِ زيادات أسعار Uber خدمات طلب سيارات الأجرة، بل أنهت نماذج الأعمال التي افترضت أن تكلفة الرحلات ستظل مدعومة دائمًا. ومن المرجح أن يسلك الذكاء الاصطناعي مسارًا مشابهًا. ومع دخول المختبرات الكبرى إلى الأسواق العامة، ستقترب أسعار الذكاء الاصطناعي من تكلفة توفيره، وستُقيَّم الشركات بناءً على مدى استمرار عمل منتجاتها عند ذلك السعر.
الشركات الأوفر حظًا للاستفادة من هذا التحول هي التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه عنصرًا تعتمد عليه، وتقيسه وتديره. أما الشركات التي لم تبدأ بعد، فلم يفت الأوان عليها. يمكن البدء بكل خطوة من هذه الخطوات خلال هذا الربع، وكل خطوة منها تسهّل استيعاب التغيير التالي في الأسعار.












