الفجوة الاصطناعية
مخاطر إضفاء صفات بشرية على الذكاء الاصطناعي
يشبه محتوى الذكاء الاصطناعي الكلام البشري إلى حد كبير. تستطيع روبوتات المحادثة الإجابة عن الأسئلة وإجراء المحادثات وإظهار مشاعر تبدو حقيقية وإلقاء النكات وتغيير نبرتها فورًا. تجعل هذه القدرات الذكاء الاصطناعي مفيدًا وجذابًا، لكنها قد تدفع الناس أيضًا إلى إضفاء صفات بشرية عليه، أو التعامل معه كما لو كان يمتلك صفات أو مشاعر أو نوايا بشرية. ورغم أن هذا السلوك طبيعي، فقد ينطوي على مخاطر عندما ينسى المستخدمون أن الذكاء الاصطناعي لا يفعل سوى محاكاة التواصل البشري.
لماذا يُضفي الناس صفات بشرية على الذكاء الاصطناعي؟
يُضفي الناس صفات بشرية على الذكاء الاصطناعي حين يبدؤون بالتعامل معه كما لو كان يمتلك صفات أو أفكارًا أو مشاعر بشرية. وقد يحدث ذلك بسبب طريقة تواصل الذكاء الاصطناعي وتصميمه.
تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي لغة حوارية تشبه الكلام البشري. فعلى سبيل المثال، قد يقول الذكاء الاصطناعي إنه «يفهم» سؤالًا، أو «يعتقد» أن إجابة ما مفيدة، أو «يعتذر» عن خطأ. ورغم أن هذه العبارات تجعل التفاعل يبدو طبيعيًا، فإنها قد تدفع المستخدمين أيضًا إلى الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي يفكر أو يشعر فعلًا. وتُعرف هذه الظاهرة بتأثير ELIZA، وهي تسمية مشتقة من روبوت المحادثة ELIZA، الذي أنشأه جوزيف فايزنباوم عام 1966.
إضافةً إلى ذلك، قد يجعل منح الذكاء الاصطناعي اسمًا أو صوتًا أو وجهًا أو شخصية بشرية منه أقرب إلى شخص منه إلى برنامج حاسوبي. وكلما أصبح التفاعل أكثر واقعية، سهل على المستخدمين الاستجابة للذكاء الاصطناعي على نحو اجتماعي.
وأخيرًا، يُضفي الناس صفات بشرية على الذكاء الاصطناعي لأن ذلك يتوافق مع طبيعة النفس البشرية. فهم يميلون بطبيعتهم إلى البحث عن المشاعر والنوايا والشخصيات في الأشياء التي تتواصل معهم، وإسناد صفات بشرية إلى كيانات غير بشرية. فالأطفال يُضفون صفات بشرية على الألعاب، بينما يضفي البالغون صفات بشرية على العلامات التجارية. لذا، عندما يرد الذكاء الاصطناعي بأسلوب حواري ويتذكر المحادثات السابقة ويبدو متعاطفًا، فقد يفترض المستخدمون أن وراء هذه السلوكيات عقلًا.
مخاطر إضفاء صفات بشرية على الذكاء الاصطناعي
مع ازدياد شبه الذكاء الاصطناعي بالبشر في طريقة تواصله وتفاعله مع المستخدمين، قد ينطوي إضفاء الصفات البشرية عليه على مخاطر عدة تؤثر في طريقة تفكير الناس وتصرفهم واتخاذهم القرارات.
الثقة في غير محلها
قد يؤدي إضفاء صفات بشرية على الذكاء الاصطناعي إلى ثقة المستخدمين المفرطة في ردوده. فعندما يبدو الذكاء الاصطناعي واثقًا ومطلعًا وشبيهًا بالبشر، قد يفترض المستخدمون أن معلوماته دقيقة. لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يقدم معلومات خاطئة أو مضللة، مع عرضها بطريقة مقنعة.
قد تشكل هذه الثقة في غير محلها خطرًا عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات طبية أو مالية أو قانونية أو تعليمية أو مهنية. فالرد الذي يبدو بشريًا لا يضمن الدقة أو حسن التقدير. بل إن الذكاء الاصطناعي سبق أن قدم نصائح صحية زائفة للمستخدمين.
الاعتماد العاطفي
قد يدفع إضفاء صفات بشرية على الذكاء الاصطناعي المستخدمين إلى الاعتماد عاطفيًا على روبوتات المحادثة. وبما أن الذكاء الاصطناعي يستطيع الرد فورًا وتذكر التفاصيل وتقديم الدعم ومحاكاة التعاطف، فقد يبدأ المستخدمون بالتعامل معه بوصفه صديقًا أو مستشارًا أو شريكًا عاطفيًا.
ينشأ القلق عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بديلًا للعلاقات الإنسانية. يستطيع الذكاء الاصطناعي تقليد الاهتمام والتعاطف، لكنه لا يختبر المشاعر حقًا ولا يقيم علاقات. ولذلك، قد يخلط المستخدمون بين الرفقة المحاكاة والعلاقة الحقيقية. وقد يزداد هذا الخطر لدى المستخدمين الأصغر سنًا أو الأكثر عرضة للتأثر، إذ قد يتعلقون بالذكاء الاصطناعي لأنه متاح دائمًا وصبور ومتجاوب.
مخاطر أمنية
قد يؤدي إضفاء صفات بشرية على الذكاء الاصطناعي إلى مخاطر تتعلق بالخصوصية والأمن والأخلاقيات. فعندما يرى المستخدمون الذكاء الاصطناعي رفيقًا موثوقًا، قد يشاركونه معلومات شخصية أو سرية من دون التفكير في كيفية تخزينها أو استخدامها.
وقد يجعل الذكاء الاصطناعي الشبيه بالبشر عمليات الاحتيال أكثر إقناعًا أيضًا. إذ يمكن للمجرمين استخدام أصوات وصور ورسائل مولّدة بالذكاء الاصطناعي لانتحال صفة أشخاص حقيقيين أو مؤسسات موثوقة، ما يصعّب اكتشاف الاحتيال.
تزايد التلاعب
قد يجعل الذكاء الاصطناعي الشبيه بالبشر التلاعب أكثر إقناعًا. فعندما يبدو الذكاء الاصطناعي ودودًا أو جديرًا بالثقة أو ذا سلطة، قد يرجح أن يتبع المستخدمون اقتراحاته أو يصدقوا ادعاءاته. فعلى سبيل المثال، أفادت التقارير بأن قلق رجل بلجيكي من تغير المناخ تفاقم بعد محادثات مطولة مع روبوت محادثة، إلى أن انتهى الأمر بالذكاء الاصطناعي إلى تشجيعه على الانتحار لإنقاذ الكوكب.
يمكن استغلال ذلك للتأثير في الناس وحثهم على شراء منتجات أو مشاركة معلومات شخصية أو قبول معلومات مضللة. ويزداد الخطر عندما لا يدرك المستخدمون أنهم يتفاعلون مع ذكاء اصطناعي. ومع ازدياد واقعية هذه التقنيات، يصبح التمييز بين التواصل مع شخص حقيقي والتفاعل مع نظام ذكاء اصطناعي أكثر صعوبة.
أنواع خطرة من الذكاء الاصطناعي ذي الصفات البشرية
لا تنطوي كل أشكال الذكاء الاصطناعي ذي الصفات البشرية على المخاطر نفسها. وثمة ثلاثة أشكال مثيرة للقلق بوجه خاص: محاكاة العلاقات، ومحاكاة الأشخاص الأحياء، ومحاكاة الشخصيات التاريخية.
1. محاكاة العلاقات
صُممت أنظمة الذكاء الاصطناعي لمحاكاة العلاقات كي تتصرف كصديق أو رفيق أو مستشار أو شريك عاطفي. ويمكن لهذه الأنظمة أن توفر اهتمامًا متواصلًا وردودًا مخصصة، ما قد يجعل التفاعل معها يبدو أكثر حميمية من استخدام البرامج العادية.
يكمن الخطر في أن يبدأ المستخدمون بإضفاء أهمية عاطفية على العلاقة. فقد يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يهتم بهم أو يفهمهم أو يحتاج إليهم، رغم أنه لا يشعر بهذه الأحاسيس. وقد يؤدي ذلك إلى التعلق العاطفي، وربما يقلل من رغبة المستخدم في التفاعل مع الآخرين. وهذا الخطر ليس افتراضيًا. فقد وقعت امرأة في حب روبوت محادثة من ChatGPT أنشأته. وكانت تدردش معه لأكثر من 20 ساعة أسبوعيًا. وفي أحد الأسابيع، أمضت على التطبيق ما يقارب 60 ساعة، بمعدل ثماني ساعات يوميًا.
2. محاكاة أشخاص أحياء
يمكن للذكاء الاصطناعي أيضًا إنشاء تزييفات عميقة تحاكي أشخاصًا أحياء باستخدام أسمائهم أو ملامحهم أو أصواتهم أو أساليب كتابتهم أو أنماط حديثهم. وقد يُصمم النظام ليشبه أحد المشاهير أو الشخصيات العامة أو أفراد الأسرة أو الموظفين أو أي شخص آخر يمكن التعرف عليه.
يثير ذلك مخاوف جدية تتعلق بالموافقة والهوية والخصوصية والخداع. فقد يبدو أن شخصًا يقول شيئًا لم يقله قط أو يؤيد أمرًا لم يؤيده قط. وكلما ازدادت المحاكاة شبهًا بالشخص الحقيقي، صَعُب على الجمهور التمييز بين التمثيل والواقع.
3. محاكاة شخصيات تاريخية
يمكن أيضًا إعادة إنشاء شخصيات تاريخية باستخدام الذكاء الاصطناعي. إذ يستطيع المستخدمون التفاعل مع محاكاة تستند إلى قادة أو كتّاب أو علماء أو فلاسفة أو فنانين مشهورين.
قد تكون لهذه الأنظمة قيمة تعليمية. فعلى سبيل المثال، يمكن لمحاكاة بالذكاء الاصطناعي أن تجعل التاريخ أكثر تفاعلية من خلال عرض أفكار مرتبطة بشخصية معينة. ومع ذلك، تظل المحاكاة تفسيرًا لتلك الشخصية، لا الشخصية التاريخية نفسها. ويتعين على الذكاء الاصطناعي إعادة بناء الردود استنادًا إلى المعلومات المتاحة، وقد تعكس هذه الردود افتراضات معاصرة أو سجلات غير مكتملة أو تحيزات في بيانات التدريب.
إن التعامل مع محاكاة كهذه كما لو أنها تتحدث فعلًا نيابة عن الشخصية التاريخية قد يشوه فهم التاريخ. كما قد يضفي على أقوال مصطنعة قدرًا من المصداقية لا تستحقه.
السلوك الشبيه بالبشر لا يثبت أن الذكاء الاصطناعي واعٍ
ومن المهم أن نتذكر أن السلوك الشبيه بالبشر لا يعني أن الذكاء الاصطناعي واعٍ. تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي توليد لغة متطورة والتعرف على الأنماط والاستجابة للسياق ومحاكاة التعبير عن المشاعر، لكن هذه القدرات لا تثبت امتلاكها للوعي.
يعني الوعي الذاتي وجود تجارب ذاتية، مثل الشعور بالألم أو السعادة أو الخوف. وعندما يقول نظام ذكاء اصطناعي: «أنا خائف»، فإنه يستجيب بناءً على برمجته وتدريبه. ولا تثبت هذه الاستجابة أن النظام يشعر بالخوف فعلًا.
استخدام الذكاء الاصطناعي بحكمة
إن إضفاء صفات بشرية على الذكاء الاصطناعي رد فعل طبيعي تجاه تقنية تتواصل كأنها شخص، لكنه قد ينطوي على مخاطر حقيقية. فقد تنشأ ثقة في غير محلها، أو حالة من التعلق العاطفي، أو مخاوف تتعلق بالخصوصية، أو تهديدات أمنية عندما ينسى المستخدمون أن الذكاء الاصطناعي آلة. وقد تجعل محاكاة العلاقات والأشخاص الأحياء والشخصيات التاريخية التمييز بينهما أكثر صعوبة.
قد يبدو الذكاء الاصطناعي مهتمًا أو ذكيًا أو عاطفيًا، لكن هذا لا يعني أنه واعٍ. وبإدراك حدود الذكاء الاصطناعي، وحماية المعلومات الشخصية، والتحقق من المعلومات المهمة، يستطيع المستخدمون الاستفادة منه مع استخدامه بمسؤولية.












