قادة الفكر
إلى أي مدى سيصل التزييف العميق، وما مدى خطورته؟

مع اندماج الذكاء الاصطناعي بصورة أعمق في حياتنا اليومية، أصبحت تقنية التزييف العميق مصدر قلق متزايد للكثيرين، ولا سيما من يحبون مشاركة لحظاتهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي. وسواء كانت الصور لأمسية مع الأصدقاء أو لنزهة عائلية في جزر البهاما، فإن مشاركتها على منصات مثل إنستغرام وفيسبوك وسناب شات لا تضمن حمايتها من إساءة الاستخدام.
لجأت شابة من كوريا مؤخرًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن ضيقها بسبب فيديو مزيف صُنع بدافع الانتقام، وظهرت فيه وكأنها عارية. وناشدت بإلحاح إزالة الفيديو الذي أنشأه الذكاء الاصطناعي، وطالبت الشخص المسؤول بالتوقف عن نشره.
في أكتوبر 2023، تعرضت شخصيات معروفة، منها غايل كينغ، المشاركة في تقديم برنامج CBS Mornings، والممثل توم هانكس، وصانع المحتوى على يوتيوب MrBeast، لمقاطع تزييف عميق غير مصرح بها انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي. كما جرى التلاعب بفيديو آخر يظهر الصحفية في CNN كلاريسا وارد بالقرب من الحدود بين إسرائيل وغزة، بهدف التشكيك في تقاريرها.
تتيح هذه المقاطع، المصنوعة بأحدث تقنيات التزييف العميق، استبدال الأشخاص في محتوى موجود. ويثير مظهرها الواقعي القلق، إذ يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأنها حقيقية. ويشمل ذلك الأغاني المولّدة بالذكاء الاصطناعي التي تقلد نجومًا مشهورين، وقد تصدر بعضها قوائم الأغاني.
أثارت هذه الأحداث مخاوف عالمية من احتمالات الإذلال العلني والتحرش والابتزاز، مما يبرز مجددًا الإمكانات الضارة للتزييف العميق.
لماذا تُعد تقنية التزييف العميق أخطر مما تتصور؟
يشير تزايد الحوادث المقلقة إلى ضرورة اتخاذ إجراءات استباقية لمواجهة التزييف العميق. وفي الوقت الحالي، لا يوجد قانون شامل يعالج التزييف العميق أو المحتوى الذي يولده الذكاء الاصطناعي دون تصريح، حتى في الولايات المتحدة. ورغم استحالة القضاء عليه تمامًا، يمكن اتخاذ خطوات للحماية منه.
لمن لا يعرف هذه التقنية، يستخدم التزييف العميق الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور أو مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية واقعية لكنها مختلقة. وقد برزت هذه التقنية الخادعة نحو عام 2017، عندما قدم مستخدم مجهول على ريديت خوارزمية لإنشاء مقاطع فيديو مزيفة تبدو حقيقية.
ورغم أن استخدامها الأولي كان للترفيه أو التعليم أو النشاط المجتمعي، فإن التطور السريع للذكاء الاصطناعي، إلى جانب قدرات التزييف العميق، يطرح العديد من المخاوف الأمنية والأخلاقية، ومنها:
- انتهاك الخصوصية: يتمثل أحد المخاوف الرئيسية في استخدام صورة شخص دون إذنه. ومن الحالات البارزة المقاطع الإباحية المزيفة لمشاهير، التي تشوه سمعتهم. فعلى سبيل المثال، انتشر عام 2017 مقطع غير لائق يُظهر الممثلة غال غادوت بصورة زائفة.
- التضليل والتلاعب: يمكن للتزييف العميق تحريف الحقائق والتأثير في الرأي العام. ومن الأمثلة المعروفة مقطع مزيف للرئيس السابق أوباما أنشأته BuzzFeed وجوردان بيل. ورغم أن الغرض منه كان رسالة توعوية ضد المعلومات المضللة، فإنه يوضح إمكانية إساءة استخدام هذه التقنية.
- الاحتيال والابتزاز: يمكن لهذه التقنية إنتاج أدلة زائفة أو خداع الآخرين بتقليد الأصوات والصور. وقد يستخدمها المجرمون للابتزاز أو حتى للاحتيال المالي، كما حدث عندما خُدعت شركة طاقة بريطانية لتحويل مبلغ كبير، ربما باستخدام تزييف عميق للصوت.
- التحيز والتمييز: يمكن للتزييف العميق إدامة التحيزات الاجتماعية أو تضخيمها، وقد يقدم صورة مضللة عن فئات سكانية معينة.
التزييف العميق: تهديد للديمقراطية والعلاقات والهوية
رغم أن تقنية التزييف العميق ليست خبيثة بطبيعتها، فإن إساءة استخدامها قد تسبب أضرارًا. فقد تحرف نتائج الانتخابات، وتوتر العلاقات الشخصية، وتنتهك الهوية الشخصية، كما تعرض برامج ترفيهية مثل «DeepFake Love» و«Clickbait» على نتفليكس.
أفكار ختامية
يغير التزييف العميق المجال الرقمي، ويفتح آفاقًا مبتكرة، لكنه يطرح تحديات أخلاقية أيضًا. ويجعل غياب التنظيم العالمي وأدوات الكشف الفعالة هذه القضية بالغة الأهمية. ورغم أهمية الوعي العام والثقافة الإعلامية، فإنهما لا يمثلان سوى جزء من الحل.
من الضروري أن نتساءل: هل نرى التزييف العميق إنجازًا تقنيًا مدهشًا أم تهديدًا لرفاه الأفراد والمجتمع؟ يجب أن يستمر النقاش، لأن الوعي والعمل الجماعيين ضروريان للحد من الآثار الضارة لهذه التقنية.












