قادة الفكر
ما الذي ينبغي للمؤسسات امتلاكه ضمن منظومة الذكاء الاصطناعي لديها؟

ستتمحور المرحلة المقبلة من التحول في مجال الذكاء الاصطناعي حول ما يمكن للشركات أن تتعلمه من كل قرار يتخذه الذكاء الاصطناعي، وكذلك حول الجهة التي تمتلك هذه المعرفة
تركزت النقاشات حول الذكاء الاصطناعي على سؤال رئيسي واحد: ما الذي تستطيع هذه النماذج فعله؟ فقد خضعت للاختبار وفق معايير مرجعية، وأُجريت عليها تجارب أولية، وأثارت الإعجاب، وكان هذا هو السؤال المناسب في مرحلة التجريب. لكنّه ليس السؤال المناسب في المرحلة التي وصلنا إليها اليوم.
في هذه المرحلة الجديدة، أي مرحلة المؤسسة القائمة على الوكلاء، بات الذكاء الاصطناعي ينجز الأعمال، ويراقب التغييرات، ويُعدّ المخرجات، ويسهم في اتخاذ القرارات الرئيسية لدفع الأعمال قدماً بدلاً من الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة. ويتسارع هذا التحول: فقد خلصت دراسة IBM للرؤساء التنفيذيين لعام 2026 إلى أن الرؤساء التنفيذيين يتوقعون أن تكاد حصة القرارات التشغيلية التي يتخذها الذكاء الاصطناعي تتضاعف، لتصل إلى 48% بحلول عام 2030. وما إن يبدأ الذكاء الاصطناعي بإنجاز العمل بدلاً من مجرد وصفه، حتى يتغير السؤال الاستراتيجي من «ما الذي يستطيع هذا النموذج فعله؟» إلى «ما الذي تتعلمه شركتي في كل مرة تتخذ فيها قراراً، ومن يمتلك هذه المعرفة؟»
إذا كانت قيمة المؤسسة تتراكم قراراً بعد آخر، فإن أهم أصول الشركة في عصر الذكاء الاصطناعي هي الحلقة التي تتيح للمؤسسة التعلم من كل قرار، وتحديداً سياقه، والأدلة التي أفضت إليه، والنتيجة المترتبة عليه، والنمط الذي يربط بينها. امتلك هذه الحلقة، وسيجعل كل قرار القرار الذي يليه أكثر دقة. أما إن لم تمتلكها، فستكون بصدد أتمتة الأنشطة من دون تراكم أي ميزة.
وبمجرد إعادة صياغة المسألة، يتغير كل شيء تقريباً في الطريقة التي ينبغي بها لمؤسسة جادة تصميم بنيتها للذكاء الاصطناعي.
خطأ المراهنة على نموذج واحد في شركتك
كان التوجه السائد هو توحيد الأنظمة عبر اختيار مزوّد رائد للنماذج، واعتماد نموذجه معياراً، وبناء كل شيء فوقه. لكنني أرى أن ذلك خطأ، وإن لم يكن للسبب الذي يورده الناس عادة.
الاعتراض المعتاد هو الوقوع في أسر المزوّد ومنحه نفوذاً في التسعير. وهذان خطران حقيقيان، لكنهما ثانويان. فالمشكلة الأعمق تتعلق بالحوافز وبالجهة التي تذهب إليها معارفك. يعمل مزوّدو النماذج على بناء أفضل النماذج متعددة الأغراض في العالم، ويحققون ذلك بالتعلم من الاستخدام. وعندما تمرر قرارات شركتك وبياناتها وسير عملها الحصرية عبر مزوّد واحد، فإنك تسلّمه أكثر ما يميزك: سجل الطريقة التي تفكر بها شركتك، إلى بائع تحفزه مصلحته على تعميم هذه المعرفة. وهكذا تصبح ميزتك مدخلاً في سلعة يستطيع منافسوك شراءها أيضاً.
كما أن التطور في هذا المجال سريع جداً بحيث لا يصح الرهان على بقاء نموذج واحد في الصدارة فترة طويلة. بدلاً من ذلك، ينبغي للبنية المناسبة أن تتيح للمؤسسات توجيه المهام إلى النموذج أو الوكيل المتخصص الأنسب للمهمة، مع امتلاك بيئة تشغيل الوكلاء وحلقة التعلم اللتين تستوعبان آلية عمل الشركة وكيفية اتخاذها للقرارات. قد تتغير النماذج، لكن هذه القاعدة الحصرية تظل ملكاً لك وتزداد قيمتها بمرور الوقت.
وقد تكون لهذه القاعدة الحصرية قيمة استراتيجية قابلة للقياس أيضاً. ووجدت دراسة IBM كذلك أن الرؤساء التنفيذيين الذين يدمجون البيانات والملكية الفكرية الحصرية في نماذج ووكلاء ذكاء اصطناعي مخصصين يتوقعون أن تأتي نسبة أكبر بـ13% من إيراداتهم لعام 2030 من منتجات وخدمات لا يقدمونها اليوم.
لا يمكنك بناء كل وكيل، ولا ينبغي لك أن تحاول
لا يعني امتلاك بيئة تشغيل الوكلاء وحلقة التعلم وآلية التوجيه أن تبني كل وكيل يعمل فوقها. فالوكيل المؤسسي الرئيسي، الذي يفهم مؤسستك وأولوياتك وبياناتك الحصرية، هو ما ينبغي لك بناؤه وامتلاكه. لكن أنشطة الشركة تشمل مجالات لا يستطيع فريق واحد إتقانها كلها، مثل المبيعات والموارد البشرية والشؤون القانونية والمالية واستخبارات السوق وغيرها. وسيكون أداء وكيل متخصص في كل مجال من هذه المجالات هو الأفضل في المهمة التي يتولاها.
لن تبني أي مؤسسة داخلياً وكيلاً من الطراز الأول لكل وظيفة. فهذه ليست منافسة على الموارد يمكنك الفوز بها. والنمط الناجح هو وكيل رئيسي ينسق مجموعة من الوكلاء الفرعيين المتخصصين، بحيث يمكن تخصيص كل منهم لتلبية متطلبات شركتك، ويرتبط كل منهم ببيئة تشغيل الوكلاء لديك عبر واجهة واضحة. ومع ذلك، لا تزال المؤسسات في مرحلة مبكرة من بناء هذا النوع من البنى؛ إذ خلص استطلاع Deloitte لعام 2026 إلى أن 15% فقط من المؤسسات وسّعت نطاق اعتماد منسق ومتعدد الوظائف لوكلاء متعددين.
لذا، تتمثل المهمة الحقيقية لقادة المؤسسات في أمرين: بناء الوكيل الرئيسي الذي يمثل الهدف المنشود وحلقة التعلم التي تغذيه، ثم تحديد أفضل الوكلاء المتخصصين ودمجهم. امتلك ما تتضاعف قيمته مع الوقت، واعقد الشراكات فيما لا تتضاعف قيمته.
الوكيل المتخصص في مقابل الواجهة المغلّفة
لا بد للوكيل المتخصص أن يقدم شيئاً يصعب على المؤسسة إعادة إنشائه. وتكمن الميزة المستدامة في الجمع بين البيانات الحصرية وبيئة تشغيل مصممة خصيصاً لاسترجاعها والاستدلال عليها. فجودة الوكيل لا تتجاوز جودة ما يستطيع العثور عليه ومدى فهمه لما يعثر عليه.
وهذا هو المعيار الذي ينبغي لقادة المؤسسات الاستناد إليه عند تحديد ما يجب بناؤه داخلياً وما ينبغي الاستعانة بشريك فيه. فإذا كانت إحدى القدرات تعتمد على محتوى فريد وخبرة متخصصة في المجال وبنية تحتية صُممت لغرض محدد على مدى سنوات، فمن غير المرجح أن تؤدي إعادة بنائها داخلياً إلى اكتساب ميزة. وبدلاً من ذلك، وجّه تلك الموارد إلى البيانات الحصرية وحلقة اتخاذ القرار وطبقة التنسيق التي تنفرد بها مؤسستك.
ما الذي ستدركه الشركات الفائزة
ستكون الشركات التي تفوز في عصر الذكاء الاصطناعي الوكيلي هي تلك التي تصمم بنيتها حول ما يجعلها أكثر ذكاءً على نحو فريد مع مرور الوقت. وستمتلك حلقة العمل التي تتيح لها التعلم من كل قرار، وتحيطها بأفضل الوكلاء المتخصصين بدلًا من محاولة بناء كل شيء بمفردها.
ليس الهدف امتلاك كل جزء من منظومة الذكاء الاصطناعي، بل امتلاك الأجزاء التي تتراكم فيها ميزتكم، وعقد شراكات بشأن الأجزاء الأخرى. فالترابط لا يعني الذكاء. وفي المؤسسة التي تعتمد الذكاء الاصطناعي الوكيلي، يعني الذكاء امتلاك ما تتراكم فوائده، وعقد شراكات بشأن الباقي.












