قادة الفكر
يحتاج الذكاء الاصطناعي في المؤسسات إلى سياق تراكمي قبل أن يستحق الاستقلالية

تخيّل أن صباح يوم الاثنين قد حلّ، ولم يبقَ على اجتماع التوقعات ربع السنوية سوى ساعات. يسأل أحد قادة الشؤون المالية وكيلًا يعمل بالذكاء الاصطناعي: «لماذا انخفض هامش الربح الإجمالي؟ وما الافتراضات التي ينبغي تغييرها؟ وما الذي ينبغي للشركة فعله بعد ذلك؟» في غضون ثوانٍ، يستقي الوكيل المعلومات من أنظمة متعددة، ويحدد عددًا من العوامل المؤثرة، ويوصي بخفض الإنفاق التقديري أو بإعادة النظر في خطة التوظيف. يبدو جوابه واضحًا ومفصلًا ومعقولًا. ولا يبدو فيه أي خطأ واضح.
وهذا ما يجعله خطيرًا إلى هذا الحد.
لكن النظر عن كثب يكشف عن تفاصيل مهمة غائبة. فقد استخدم الوكيل نسخة غير صحيحة من التوقعات. ولم يأخذ في الحسبان تعديلًا محاسبيًا معتمدًا من الربع السابق. كما لم يراعِ أن إحدى المناطق تتبع قواعد أعمال مختلفة. ولم تكن البيانات الأساسية بالضرورة خاطئة؛ بل إن الوكيل لم يكن يعرف ببساطة كيف تفسر المؤسسة تلك البيانات، أو كيف تترابط عناصرها. ولا تكمن المشكلة في النموذج على نحو يسهل حله باستخدام نموذج آخر، بل في أن النموذج لا يعرف طبيعة هذا النشاط التجاري.
تركّز جانب كبير من تطوير الذكاء الاصطناعي للمؤسسات على قدرات النماذج واستقلالية الوكلاء. لكن لا يمكن لنموذج أن يتوصل إلى استنتاج موثوق ومحدد بالشركة ما لم يفهم كيف تعرّف المؤسسة أرقامها، وكيف تربطها بأسلوب عملها.
الطبقة المفقودة هي سياق الأعمال التراكمي، أي الفهم المنضبط لما تعنيه بيانات المؤسسة: تعريفاتها، والعلاقات بينها، والافتراضات، والحسابات، وسير العمل، والاستثناءات، والقرارات التي تتراكم حولها بمرور الوقت.
يتشكل هذا السياق من خلال التخطيط والتنبؤ ونمذجة السيناريوهات وتحليل الانحرافات والتصحيحات والتغذية الراجعة وإجراءات الإقفال والقرارات المعتمدة. ومن دونه، تخاطر المؤسسات بمنح الذكاء الاصطناعي مسؤوليات أكبر من دون تزويده بفهم كافٍ للأعمال يمكّنه من الاضطلاع بها على نحو موثوق.
قدرات الذكاء الاصطناعي تتجاوز جاهزية المؤسسات
وفقًا لمؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026 الصادر عن جامعة ستانفورد، استخدم 88% من المؤسسات المشمولة بالاستطلاع الذكاء الاصطناعي في عام 2025، إلا أن نشر الوكلاء ظل عند نسب أحادية الرقم في جميع وظائف الأعمال تقريبًا.
تُظهر هذه الإحصاءات أن المؤسسات تستطيع الوصول إلى قدرات الذكاء الاصطناعي، لكن كثيرًا منها غير مستعد لإسناد أعمال ذات تبعات مهمة إليه. ويدرك القادة ضرورة توظيف الذكاء الاصطناعي في أعمالهم، لكن لا يزال عليهم تحديد ما إذا كانوا يعملون على المستوى المناسب من المشكلة.
يمكن للنموذج قراءة البيانات من دون فهم الأعمال
تتميز النماذج الأساسية بقدرتها على التعرف على الأنماط، والتوليف، والتفاعل باللغة الطبيعية، واستكشاف مجموعات البيانات الكبيرة. ومع أن هذه تطورات مهمة، فإن النموذج نفسه بات أقل تميزًا.
يتمثل التحدي الأصعب أمام المؤسسات في تعليم الذكاء الاصطناعي معنى معلومات الشركة، والأهم من ذلك، كيفية استخدامها في اتخاذ القرارات والتحليل.
انصبّ جانب كبير من النقاش حول حوكمة الذكاء الاصطناعي على تنقية البيانات. ورغم أن هذه خطوة ضرورية، فإنها لا تكفي لتوسيع نطاق الذكاء الاصطناعي على نحو يتيح اعتماده على نطاق واسع في المؤسسات. فقد تستخدم مجموعتا بيانات منقحتان تعريفات وفترات زمنية وقواعد أعمال مختلفة.
وجدت دراسة IBM للرؤساء التنفيذيين لعام 2025 أن 25% من مبادرات الذكاء الاصطناعي حققت العائد المتوقع على الاستثمار، وأن 16% فقط توسعت على مستوى المؤسسة بأكملها. ويتسق هذا النمط مع تحدٍّ أوسع في التنفيذ: فإمكانية الوصول إلى النماذج والبيانات لا تضمن قدرة نظام الذكاء الاصطناعي على التوفيق بين القواعد التنظيمية التي تحدد كيفية استخدام المعلومات.
من السهل الحصول على نماذج أكثر قدرة، أما بناء فهم خاص بالشركة فلا بد منه.
السياق عند الاسترجاع ليس سياقًا تراكميًا
لا يزال ما يوصف بالسياق في كثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي للمؤسسات يُقدَّم عبر الاسترجاع عند تلقي الطلب. يعثر النظام على مستند أو سجل أو نقطة بيانات ذات صلة، ويستخدمها لتوليد إجابة، ثم يبدأ من جديد في المرة التالية التي يُسأل فيها.
للاسترجاع قيمة، لكنه لا ينشئ بمفرده ذاكرة مؤسسية تراكمية. فهو لا ينقل إلى التفاعلات اللاحقة إلا القليل، ما يعني أن الذكاء الاصطناعي قد يواجه المؤسسة كغريب في كل تفاعل جديد.
يشبه الأمر تعيين محلل جديد لامع كل صباح. يفهم المحلل الشؤون المالية ويعرف كيف يفحص مجموعة بيانات، لكنه لا يزال بحاجة إلى معرفة كيفية تعريف هذه الشركة تحديدًا لمقاييسها، وأي التوقعات معتمدة، ولماذا أُقرّ استثناء ما، وأي الافتراضات يتبين مرارًا أنها خاطئة.
يؤدي السياق التراكمي غرضًا مختلفًا. فبدلًا من البدء من جديد مع كل طلب أو دورة تخطيط، يتراكم السياق بمرور الوقت. ويمكن لكل تحقيق وسيناريو وتصحيح وموافقة وقرار أن يسهم في بناء فهم منضبط لآلية عمل المؤسسة. وهذا يعني أن الدورات اللاحقة تستطيع البناء على ما توصلت إليه الدورات السابقة، بدلًا من إعادة اكتشاف العلاقات والمنطق وأساليب العمل نفسها مع كل طلب.
ولا يعني ذلك الاحتفاظ بكل شيء إلى أجل غير مسمى. ينبغي تحديد نطاق السياق المؤسسي المفيد بعناية، وإتاحة تصحيحه، ومراعاة الأذونات، وإمكانية تتبعه إلى مصدره. وعلى المؤسسات أن تحافظ على ما له أهمية، مع ضمان إمكانية تحديد الافتراضات المتقادمة والاستثناءات المؤقتة والتفسيرات غير الصحيحة وتصحيحها بمرور الوقت.
الثقة تقوم على ما وراء النموذج
النموذج هو الجزء الأبرز في نظام الذكاء الاصطناعي، لكنه نادرًا ما يكون العامل الحاسم في قدرة المؤسسة على الوثوق بالنتيجة.
يمكن لنموذج كفء أن يبحث في أسباب التباين، ويستكشف التفسيرات المحتملة، ويوصي بإجراء ما. لكن قدرة المؤسسة على الاعتماد على تلك التوصية تتوقف على البنية المحيطة بالنموذج.
وجدت Gartner أن المؤسسات التي تفيد بنجاح مبادرات الذكاء الاصطناعي تستثمر ما يصل إلى أربعة أضعاف أكثر، كنسبة من الإيرادات، في مقومات أساسية مثل جودة البيانات والحوكمة والمواهب المؤهلة للعمل بالذكاء الاصطناعي وإدارة التغيير، مقارنةً بالمؤسسات التي تحقق نتائج ضعيفة.
وتُعد طبقة السياق الخاضعة للحوكمة جزءًا من هذه المقومات الأساسية، إذ تقع بين الأنظمة المصدرية والنماذج وإجراءات الأعمال.
وهنا أيضًا ينبغي الفصل بين الذكاء والحتمية. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يبحث ويُعدّ مسودات ويقدّم توصيات. وبعد مراجعة إجراء ما والموافقة عليه، ينبغي أن يجري تنفيذه من خلال حسابات خاضعة للحوكمة، وعمليات للتحقق من الأذونات، وضوابط لإعادة الكتابة إلى الأنظمة، ومسارات للتدقيق. والمرونة التي تجعل النموذج مفيدًا للاستكشاف لا تكون دائمًا مناسبة عند إقرار تغيير في الأعمال.
يمكن للنموذج أن يوصي بما ينبغي فعله. أما البنية المحيطة به، بما فيها الموافقة البشرية وضوابط النظام، فهي التي تحدد ما يُسمح بفعله.
قيود تجعل الوكلاء مفيدين
يجري نشر الوكلاء بوتيرة أسرع من تطوير الضوابط المحيطة بهم. ووجدت KPMG أن نسبة المؤسسات التي تنشر بعض وكلاء الذكاء الاصطناعي على الأقل ارتفعت من 11% في الربع الأول من 2025 إلى 42% بحلول الربع الثالث. ومع ذلك، أفادت Gartner بأن 13% فقط من المؤسسات وافقت بشدة على أن لديها هياكل حوكمة مناسبة للوكلاء.
ولهذه الفجوة أهمية، لأن القدرة والصلاحية قراران منفصلان في التصميم. فقد يكون النظام قادرًا من الناحية التقنية على الوصول إلى قاعدة بيانات أو تعديل توقعات أو تشغيل سير عمل. لكن ذلك لا يعني أنه ينبغي السماح له بفعل هذه الأمور من تلقاء نفسه.
ينبغي للمؤسسات فرض ثلاثة قيود قبل تفويض الوكلاء بمهام ذات أهمية.
-
إرساء فهم مشترك
يجب التوفيق بين التعريفات والمقاييس والتسلسلات الهرمية والتقويمات المالية وقواعد الحساب قبل أن يتمكن الوكيل من الاستدلال بشأنها باتساق.
لا ينبغي توقّع أن يحسم الذكاء الاصطناعي ضمنيًا خلافات لم تعالجها المؤسسة نفسها. فمن دون فهم مشترك، قد يتعامل مع التعريفات المتضاربة كما لو كانت قابلة للتبادل، ويقدم إجابة متماسكة لكنها خاطئة من الناحية التشغيلية.
-
تحديد ما ينتقل إلى الاستخدامات اللاحقة
يجب على المؤسسات تحديد التصحيحات والموافقات والقرارات والنتائج التي ستصبح سياقًا قابلًا لإعادة الاستخدام. كما تحتاج إلى سياسات تنظم الاحتفاظ بهذا السياق وإمكانية الوصول إليه وتصحيحه.
تُنتقى الذاكرة المفيدة وتُحكم، ولا تُراكم عشوائيًا. وإلا فقد يغيّر افتراض متقادم أو استثناء لمرة واحدة التوصيات المستقبلية من دون أن يلحظ أحد.
-
الفصل بين التوصية والالتزام
يمثل التحليل والتوصية والتغيير المقترح والتنفيذ بعد موافقة بشرية والتنفيذ الذاتي ضمن حدود مستويات مختلفة من الصلاحية. وينبغي أن تكون لكل وكيل هوية وأذونات ملائمة لمستوى صلاحياته.
وينبغي أن يشمل التقييم أيضًا سلسلة الإجراءات كاملة: المعلومات التي جرى استرجاعها، والسياق المستخدم، والأدوات التي استُدعيت، وما الذي تغيّر، وما إذا كان بالإمكان التراجع عن ذلك التغيير.
إن اختبار الإجابة النهائية وحدها لا يكشف معظم سبل الإخفاق المحتملة في سير عمل الوكلاء.
تصف القدرة ما يستطيع الوكيل فعله، بينما تحدد الحوكمة ما يُسمح له بفعله.
الاستقلالية تتطلب أكثر من مجرد القدرة
في سيناريو الهامش الوارد في بداية المقال، لا تكون السرعة مفيدة إلا إذا كان النظام يعرف أيضًا أي التوقعات هو المعتمد، وأي الاستثناءات نالت الموافقة، وما الإجراء الذي يجوز له اتخاذه، ومن يظل مسؤولًا.
أعتقد أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي لن يكتسب الثقة إلا عندما يحتفظ بالسياق الصحيح ويستطيع إظهار الكيفية التي توصل بها إلى نتيجة ذات تبعات مهمة.
ينبغي للمؤسسات بناء طبقة السياق والضوابط هذه قبل توسيع نطاق استقلالية الوكلاء. ستتغير طبيعة العمل، لكن المساءلة لن تتغير.












